محمود أبو رية
76
شيخ المضيرة أبو هريرة
هو بذلك ورواه عنه البخاري فيما نقلناه من قبل . ولم يقف الامر عند ضجر كبار الصحابة ونفورهم بل كان يذهب إلى مكان عزيز من النبي ( بين منبره وحجرة عائشة ) فيتماوت ويمثل مشهدا تشمئز منه النفوس الأبية ، وتنفر منه الطباع الكريمة . وهذا المشهد كان لا يفتأ يأتيه في هذا المكان العزيز من النبي - إنما كان ولا جرم مما يؤذى النبي ، ويبعث في نفسه الأسى - أن يكون بين من ينتمون إليه ، ويحسبون عليه ، من يبدو أمام الناس كل يوم في هذه الصورة المزرية المشينة ! وما نذكره هنا ليس من عندنا ، ولا نفتري عليه به ، وإنما هو أمر ثابت لا ريب فيه وذلك باعتراف أبي هريرة نفسه ، فقد روى البخاري عنه هذا الحديث " لقد رأيتني وإني لاخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيا على فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أنى مجنون ! وما بي من جنون ! ما بي إلا الجوع ( 1 ) " . ولا ريب في أنهم ما كانوا ليفعلوا ذلك معه إلا استهانة به ، وازدراء له ، إذ لو كان له حرمة عندهم ، أو مكانة لديهم ، لأشفقوا عليه وأعانوه ولم يطأوا عنقه ! ولما رأى النبي ذلك كله منه أراد أن يؤدبه بأدبه العالي ويردعه لكي يقلع عن هذه العادة الذميمة فنضع له أول الأمر بأن يزور الناس غبا ( 2 ) ولكن غلبته نفسه ، واستعصت عليه طبيعته ، فلم يستمع إلى هذه النصيحة الغالية واتبع هواه ، ولما رأى النبي أن هذه النصيحة لم تبلغ منه ، عززها بقوله في حديثه الشريف على مسمع منه " والله لان يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب علي ظهره فيأكل ويتصدق ، خير له من أن يأتي رجلا أغناه الله عزو جل من
--> ( 1 ) ص 259 و 260 ج 13 من فتح الباري ويرجع إلى ملاحقته لكبار الصحابة فيما أوردناه من قبل نقلا عن البخاري . ( 2 ) راجع صفحة 59 .